
الغرض من هذا المبحث هو إحياء عصر يمتدّ على قرنين (1814 - 2014) ، وهو عصر تكوّنت فيه جميع مقوّمات الشّخصيّة السياسيّة التّونسيّة، ويندرج تناول هذا التّاريخ ضمن ما يسمّى بالزّمن الطويل، وهو حيز يتيح متابعة المسارات التّاريخيّة وقراءتها بصفة متأنيّة، ولكنه يحيل على الزّمن الرّاهن، وهي مرحلة لا يمكن تناولها إلا بحذر شديد نظرا لغياب المسافة الزّمنيّة اللاّزمة للنّظر المتأنّي لمجريات الأحداث.
وينطلق هذا الكتاب من فرضيّة قوامها أنّ بنية «الدّولة الوطنيّة» ظهرت في تونس في مرحلة مبكّرة نسبيّا، ولكن بروزها إلى حيز الواقع استغرق حوالي قرن ونصف، ما مهّد لنضوج هذا المبدأ على مراحل، قبل تجسيمه سياسيّا بعد زوال الحماية الفرنسيّة. وقد شهدت تونس خلال هذه المدّة ثلاثة تغييرات بنيويّة رئيسيّة تتعلّق بشكل الحكم وقواعده، وطبيعة الوعي بالانتماء الوطني، وديناميكية المجتمع، كان لها أبلغ التأثير في الشّخصيّة السياسيّة التونسيّة ومفهوم «الدّولة القطريّة»، وما يسترعي الاهتمام هنا هو أنّ الوعي بالهويّة لدى التونسيّين كان يتحرّك على قدر تبلور هويّة تونس السياسيّة، حيث كان البايات يتأرجحون بين تأكيد الذّاتيّة التّونسيّة والانتماء إلى المجال العثماني، ولمّا دخل الاستعمار فصل تونس سياسيّا وثقافيّا عن التأثير العثماني، ولكن الحركة الوطنيّة تكفّلت بإثبات الهويّة الوطنيّة والمطالبة باسترجاع سيادة تونس في إطار المجال القطريّ الذي استولى عليه الاستعمار سنة 1881.
